الثلاثاء، 21 يناير، 2014

صناعة شعب

في البداية لزم التنويه الى ان الموضوع طويل شيء ما مما قد يصيب البعض بالممل,كما انه يتكلم بأسلوب صريح وعن واقع حالي وهذا نادرا ما اكتب عنه.

فعلى مدار الاعوام الثلاثة الأخيرة شهدنا الكثير من الحراك السياسي العنيف,السريع في أحداثه الغشيم كثيرا في قراراته.
ليس هذا لب الموضوع وانما دعونا نلقي نظرة على الحراك الاجتماعي الثقافي الشرس 
ليس للأحسن أو للأسوأ وانما لكشف تفاوت كبير في السلوك بين الأجيال المختلفة
(وهو امر معروف بالفعل)

تخيل معي انك ولدت في بيت لا تعرف فيه غير ابيك وامك ,وبعد مرور الاعوام والتقدم في السن وبعد ما بلغك من الحب منهم ما بلغ..قام أحدهم بإبلاغك انه ليس احد والديك 
اعتقد انك ستأخذ وقتا طويلا حتى تصدق مهما كانت براهينهم,وهناك احتمال اكبر انه حتى وان رضيت بالواقع فربما محبتك لهما لن تقل وستنتظر اي فرصة لتكسير حدود الواقع والرجوع الى احضانهم

نسبيا وليس بالمعنى الحرفي,فان هذا ما يحدث الآن
نحن امام ما احب ان اسميه (الجيل المصنوع) وهذا المسمى ليس من شأنه الاذلال او التقليل من شأن ايا كان وانما هو مجرد وصف شخصي

لسنا وحدنا
عند التحدث عن صناعة الشعوب ,نجد ان كل اقليم له مصنوعه الخاص الذي صنع تحت تأثير حضارته وثقافته وحكامه احيانا
المانيا على سبيل المثال..تم صناعة شعبها من قبل هتلر وجعلهم يؤمنون انه الخلاص والروح المنزلة لكي يحكموا الارض ورضوا بذلك حتى جاء من اقنعهم بالخلل الذي فيهم 
المانيا بعد حروب دامية وانقسام زاد عن الخمسين عام نجدها الان من اوائل الدول في كل شيء ..الصناعة والتجارة والطب وحتى كرة القدم
فهل توقفت صناعتهم؟
لا ..ولكن من يصنع الان هو الشعب نفسه
فكما في اوروبا او في كثير من الدول عندما يكبر ابنك قليلا ويبدأ في الاستيعاب فانك تصنعه ولكن بما يفيده ,فتجد الاب ينصح ابنه بحزام امان السيارة منذ الصغر,فعندما يكبر يصبح ذلك مثل عادة 
من صناعات المانيا كذلك وجود نص دستوري يحرم قتل من يهرب من السجن لأن ذلك طبيعة بشرية وانسانية ,وذلك دليل على انهم مصنوعون على التقويم (فالأصل تقويم السلوك والردع لا الخلاص مهما كان الاجرام)

كفانا الحديث عمن ليس نحن
يلعب كتاب التاريخ دورا مهما جدا في صناعة الشعوب,وما يجعل الدول نامية واكثر تخلفا هو قصر كتابة التاريخ على الحاكم ومن يواليه,ومن هنا يتم صناعة أول الأجيال اللي تعرف نص الحقيقة
يتقلص هذا النص شيئا فشيئا مع مرور العمر بالاجيال القديمة حتى تنتهي الحقيقة كاملة ,ولكن المشكلة ان ما كتب بالهوى او بالموالاة سيصبح هو الحقيقة لمجرد انك لا تعرف غيرها او لم تعاصر ما حدث

عند النظر الى ما حدث في مصر من اول حكم عبد الناصر وحتى الان,نجد ان كلما مر الزمن عرف الشباب حقائق كانت مغيبة عن معظم أجيال الحدث نفسه ولأنهم لم يعرفوا غير ما قيل لهم ,ما زلنا كل يوم ندخل في صراع لغوي خارق للطبيعة عند تداول معلومة ما
الملك حلو..الملك وحش..مصر كانت غنية ..مصر كانت فقيرة..ثورة..لا انقلاب
عبد الناصر باع الاخوان..الاخوان باعوا عبد الناصر 
حتى بداية التسعينات لم يكن هناك ذلك النقاش لانه لم يكن هناك كل هذه المعلومات المتداولة في كل وسائل الاتصال(وكان التكنولوجيا جاءت لتكشف مستور ما ظنوا انه سيظهر)

كل ذلك ما يعنيني..ما يعنيني هو طريقة تقدير الفشل والنجاح,فهناك شعب كامل نزل الميادين لمطالبة رئيس فاشل بعدم التنحي,بالرغم من خسارته لحرب وفشله في ادارة دولة وتعيين الاصحاب فقط لكونهم اصحاب,ليس هذا فقط وانما تزوير الحقائق كاعلانه اسقاط لطائرات عدو وهذا ما لم يحدث بالطبع
هناك تبرير واحد فقط لكل ما حدث في تلك الفترة وهو صناعة شعب يفكر بعواطفه فقط لا غير..وان ظن البعض انه قادر على التفكير او التحليل او الاعتراض فمكانه سيكون بعيدا عن صفوف الشعب المناضل
ولكي ترتقي بنفسك لا بد من موالاة الحاكم والتصديق على كل ما يحكم به وحتى ان كان دربا من دروب الخيال

الاخوان والصناعة
الاخوان ليسوا ببعيدين عن تلك الصناعة ,وايضا فيهم الصانع وفيهم المصنوع ,فإذا اعتبرنا ان الحاكم كتب فيهم تاريخ أسوأ مما هم فعلا عليه,فهم ايضا من بينهم من نقل تاريخهم على هواه ومن اجل مصالحه.
فما من وجود لمعاصري حسن البنا الآن ولكن يوجد الكثير من ممثلي سيد قطب ولعدم الخوض في تفاصيل تتعلق بهذه النقطة وكيفية تحول الجماعة من دعوية الى سياسية يكفي القول ان الاخوان ارتموا في احضان الحاكم بعد ثورة يناير ضاربين بكل كتب تاريخهم عرض الحائط التي ظلت وستظل تكتب عن ظلم الحاكم لهم
انها الصناعة ..التي جعلت القيادات تنتظر ما سيؤول له يوم 25 من نجاح او فشل حتى يقرروا المشاركة من عدمها,بينما جيل الشباب الذي لم تكتمل صناعته تصرف على حضارته الجديدة وثقافته المنفتحة (غصبا او رضا) ونزل ايمانا ان ما يفعله هو الصيح.

كيف تصنع شعب
لكي تصنع شعب هناك اسس وهناك ارتجالات على حسب كل شعب
ولكن ما اتفق فيه كل صناع الشعوب من الحكام 
السيطرة الكاملة على الاعلام والمعلومات ,وهو ما يصعب جدا الان نتيجة للتطور والانفتاح المعلوماتي ,ولكن لقلة ذكاء الحاكم فانه يصر فيفعل ذلك دون حكمة وبغشم شديد مثل قطع الاتصالات عن ميدان التحرير في ثورة يناير.
تسييس رجال الدين..هذه ليست بالكلمة السهلة ,فوجود رجل دين موالي للحاكم غير لنا مفاهيم الدين نفسه 
فتجد من يحلل الوساطة ومن يسهل من عقوبة الرشوة ومن يتحدث عن شريعة او مباديء شريعة وكأن هذا هو ما درسه طول حياته
تجد ايضا من يتكلم عن الخروج عن الحاكم وعن درء المفاسد اهم من جلب المنافع,وكل يأتي بأمثلة ترضي منصبه وترضي حاكمه
تكسير الطبقات الاجتماعية واحباط كل محاولات الطبقات الدنيا في فرصة اخرى من اجل حياة افضل..والدليل الاسطوانة المبرمجة التي يرددها الاهالي بان مجموع الثانوية هو المحدد لمستقبلك والواقع غير ذلك تماما..لانك لن تكون الا بما ادخره اباؤك لك
ولن تمتهن الا مهنهم..فابن الدكتور لا بد وان يكون دكتور وكذلك ابن المهندس وضابط الشرطة وضابط القوات المسلحة
يبنون مجتمعات منغلقة كي لا يعكر صفوها هؤلاء من فاتهم قطار المال او يريدون فرصة اخرى في الحياة
هناك ايضا من يصنع الشعب بدعوى جلب الاستقرار او محاربة ارهاب او او ..وانا فكرنا قليلا لوجدنا ان كل ذلك يعود لفشلك في الادارة بطريقة منهجية صحيحة وليس لتمرد فصيل او جهة او مطالبة البعض بما لا ترضى

الثقافة والصناعة
شيئان لا يجتمعان ..الثقافة وصناعة شعب من قبل حاكم
عند النظر لبداية الحكام القهريين نجد ان بزيادة سنين الحكم يضمحل العلماء والأدباء والمفكرين والمبدعين بطريقة تشبه الانقراض
فعند النظر الى اول القرن العشرين وحتى منتصفه نجد بزوغ نجم مفكرين غيروا الكثير والكثير امثال محمد طلعت حرب-احمد شوقي-طه حسين(الكفيف)-عباس العقاد(ابتدائية)-محمد عبده-الافغاني-مشرفة-نبوية موسى(امرأة)-نجيب محفوظ
بعد بداية التدهور نتكلم عن بعض الاسماء مثل فاروق الباز واحمد زويل مع العلم انهم ليسوا منا فلم يعيشوا هنا ولم يعملوا هنا ولم يتعاملوا مع عقلية الحاكم التي تعاملنا معها

الاندفاع
ما حدث في اخر استفتاء ما هو الا دليل على فرق التفكير بين اجيال اباءنا وبين جيلنا,فقد شعروا ان كرامتهم ردت اليهم وانه ما زال فيهم من العزم ما يجعلهم قادرين على هزيمة بعض من الشباب (الصايع ,العواطلي_بسببهم_,قليل الادب_تربيتهم_)الذين ظنوا انهم قادرين على تكسير هذا الزجاج المصنوع بحرفية شديدة الاتقان ..
من الغريب ان تجدهم يظنوا ان الشباب يريد بهم ضرا..فيضروه 

الهجمة المرتدة
معظم اجيال الشباب لا يؤمن بالطرق الدفاعية بشكل دائم والكثير ليس لديه الخبرة الكافية لاختيار الوقت المناسب لهجمة مرتدة سريعة تعمل على خلخلة دفاعات الحصون الزجاجية المنيعة
أي نعم هناك نظريات عدة بان تضغط من الاجناب لتكسير الزجاجة ولكن هذا لا ينطبق على هذه الحالة من الزجاج الاسطواني المتلون بلون من يمسكه فلا تميز وسطه من طرفه

كل ما تم سرده (من هري سابق) ما هو الا لتقليل روح الاندفاع حتى لا نذهب بأنفسنا الى مصنع الكراسي ويتم تصنيع ما تبقى منا
فاي حوار مع شخص مختلف معك من الجيل المصنوع ستجده الان يضرك اكثر مما يكسبك
لا بد من تغيير الاستراتيجيات وتكوين دفاعات حصينة وتغليب العقل على روح الحماسة والثورة للخروج من المجادلات الهامشية مع المصنوع وتوجيه الحديث الى الصانع

عمر سليمان
اختلف مع كل من اتفق مع عمر سليمان في تصريحه بأننا شعب غير مؤهل للديمقراطية ,ليس من الحياد او المنطق ان يلعب الصانع مع المصنوع.


فكيف لك ان تلعب بلايستيشن وانت شخص عادي مقابل احد مصممي كود اللعبة..اتنتظر ان تهزمة؟

انا اؤمن انه لا يوجد من يوجهني ولا يوجد رأي اهم من رأيي(مقابلة بالحاكم)..فأنا الناظر الاول للمشهد ولا احتاج لاحد ليرى بعيني وانما نسعى جميعا لتربيط الخطوط لا لاثبات خطأ الاخر

فليخرج كل من كتب سطرا في الصناعة خارج اللعبة ودعونا نقرر

هل سيتنتصر جيل البلاستيك واعادة التدوير,القوي المرن ..ام سيعود الزجاج الى التلون من جديد

ويعد ما سبق مبررا (وليس بكاف او صحيح) الى رجوع الكثير من الجيل الكبير الى الحرس القديم(فدائما ما يشتاق السيف الى صانعه)


الموضوع ليس للتأريخ او لسرد أحداث كاملة او لاظهار المزايا والعيوب
انما هو محاولة لفتح طريق لفهم ما يدوي من سيكولوجيات من حولنا










ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق